فصل: ابتداء الفتنة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة **


فلما أصبح يوم الجمعة عاشره اجتمع بدار العدل الترك والعبيد وطلبوا بني زياد وبني السنبلي والخدام وسائر أمراء الدولة والأعيان‏.‏

فلما تكامل جمعهم وقع بينهم الكلام فيمن يقيمونه فقال بنو زياد‏:‏ وما ثم غير يحيى فاطلعوا له هذه الساعة‏.‏

فقام الأمير زين الدين جياش الكاملي والأمير برقوق وطلعا إلى ثعبات في جماعة من الخدام والأجناد فإذا الأبواب مغلقة فصاحوا بصاحب البلد حتى فتح لهم ودخلوا إلى القصر وسلموا على الظاهر يحيى بالسلطنة وسألوه أن ينزل معهم إلى دار العدل فقال‏:‏ حتى يصل العسكر أجمع‏.‏

ففكوا القيد من رجليه وطلبوا العسكر بأسرهم فطلعوا بأجمعهم وأطلعوا معهم بعشرة جنائب فتقدم الترك والعبيد وقالوا للظاهر‏:‏ لا نبايعك حتى تحلف لنا أنك لا يحدث علينا منك شيء بسبب هذه الفعلة ولا ما سبق قبلها فحلف لهم وهم يرددون عليه الأيمان وذلك بحضرة قاضي القضاة موفق الدين علي بن الناشري ثم حلفوا له على ما يحب ويختار‏.‏

فلما انقضى الحلف وتكامل العسكر ركب ونزل إلى دار العدل بأبهة السلطنة ودخلها بعد صلاة الجمعة فكان يومًا مشهودًا‏.‏

وعندما استقر بالدار أمر بإرسال ابن أخيه الأشرف إسماعيل إلى ثعبات فطلعوا به وقيدوه بالقيد الذي كان الطاهر يحيى مقيدًا به وسجنوه بالدار التي كان الظاهر مسجونًا بها‏.‏

ثم حمل بعد أيام إلى الدملوة ومعه أمه وجاريته وأنعم السلطان على أخيه الملك الأفضل عباس بما كان له وخلع عليه وجعله نائب السلطنة كما كان أول دولة الناصر وخمدت الفتنة‏.‏

وكان الذي حرك هذه الفتنة بنو زياد فقام أحمد بن محمد بن زياد الكاملي بأعباء هذه الفتنة لحنقه من الوزير ابن العلوي فإنه كان قد مالأ على قتل أخيه جياش وخذل عن الأخذ بثأره وصار يمتهن بني زياد‏.‏

ثم ألزم الوزير ابن العلوي وابن الحسام بحمل المال وعصرا على كعابهما وأصداغهما وربطا من تحت أبطيهما وعلقا منكسين وضربا بالشيب والعصي وهما يوردان المال فأخذ من ابن العلوي مابين نقد وعروض ثمانون ألف دينار ومن ابن الحسام مبلغ ثلاثين ألف دينار‏.‏

واستقر الأمير برقوق أمير جاندار‏.‏

واستقر الأمير بدر الدين محمد الشمسي أتابك العساكر‏.‏

واستقر ابنه العفيف أمير آخور‏.‏

ثم استقر الأمير بدر الدين المذكور أستادارًا وشرع في النفقة على العسكر‏.‏

وظهر من السلطان نبل وكرم وشهامة بحيث أطاعته العساكر بأجمعهم فإن له قوة وشجاعة حتى قيل إن قوسه يعجز من عندهم من الترك عن جره‏.‏

ومدحه الفقيه يحيى بن رويك بقصيدة أولها‏:‏ الوافر بدولة ملكنا يحيى اليماني بلغنا ما نريد من الأماني وعدة القصيدة واحد وأربعون بيتًا وأجيز عليها بألف دينار‏.‏

وبهذه الكائنة اختل ملك بني رسول من اليمن‏.‏

انتهى كلام المقريزي‏.‏

قلت‏:‏ وقد خرجنا عن المقصود بطول هذه الحكاية غير أن في ذكرها نوعًا من الأخبار والتعريف بالممالك‏.‏

ولنرجع الى ما نحن بصدده من أحوال الملك الأشرف برسباي صاحب الترجمة‏.‏

ولما كان يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير جارقطلو أمير مجلس باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد موت الأمير الكبير يشبك الساقي الأعرج‏.‏

وكان يشبك الساقي المذكور من أفراد العالم وهو أحد من أدركناه من الملوك من أهل المعرفة والذوق والفضل والرأي والتدبير كما سنبينه في ترجمة وفاته من هذا الكتاب إن شاء الله‏.‏

ثم في يوم السبت عاشر جمادى الآخرة المذكورة كتب السلطان بإحضار جرباش الكريمي المعروف بقاشق نائب طرابلس ليستقر أمير مجلس على عادته أولًا عوضًا عن الأمير الكبير جارقطلو وكتب إلى الأمير الكبير طرباي الظاهري المقيم بالقدس بطالًا باستقراره في نيابة طرابلس‏.‏

ثم في يوم السبت أول شهر رجب عمل السلطان الخدمة بالإيوان بدار العدل من القلعة وأحضرت رسل مراد بك بن عثمان متملك برصا وأدرنابولي وغيرهما من ممالك الروم فكان موكبًا جليلًا أركب فيه الأمراء والمماليك السلطانية وأجناد الحلقة وغيرهم على عادة هيئة خدمة الإيوان من تلك الأشياء المهولة‏.‏

وقد بطل خدم الإيوان من أيام الملك الظاهر جقمق وذهب من كان يعرف ترتيبه حتى لو أراد أحد من الملوك أن يفعله لا يمكنه ذلك‏.‏

ثم في سابع شهر رجب المذكور خلع السلطان على القاضي الدين بن البارزي المعزول قبل تاريخه عن كتابة السر ثم عن نظر السر بالديار المصرية باستقراره في كتابة سر دمشق عوضًا عن بدر الدين حسين بحكم وفاته من غير سعي في ذلك بل طلبه السلطان وولاه‏.‏

وكان القاضي كمال الدين المذكور من يوم عزل من وظيفة نظر الجيش بعد كتابة السر ملازمًا على أجمل حالة وأحسن طريقة من الاشتغال بالعلم والوقار والسكينة وهو هيئة عمله من الحشم والخدم وبسط يديه بالإحسان لكل أحد وترداد الأكابر والأعيان والفضلاء إلى بابه‏.‏

وسافر في ثاني عشرينه‏.‏

ثم في حادي عشره أدير محمل الحاج على العادة في كل سنة‏.‏

ثم في ثالث عشرينه قدم الأمير جرباش الكريمي معزولًا عن نيابة طرابلس فخلع السلطان عليه باستقراره أمير مجلس على عادته أولًا‏.‏

كل ذلك والسلطان في قلق من جهة جاني بك الصوفي‏.‏

ثم في عشرين شعبان خلع السلطان على الأمير قانصوه النوروزي أمراء الطبلخانات باستقراره في نيابة طرسوس وأضيف إقطاعه إلى الديوان المفرد ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين شوال أمسك السلطان الأمير قطج من تمراز أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية ثم الأمير جرباش الكريمي قاشق أمير مجلس فحمل قطج في الحديد إلى الإسكندرية فسجن بها وأخرج جرباش الكريمي بغير قيد إلى ثغر دمياط بطالًا‏.‏

كل ذلك بسبب جاني بك الصوفي ولما تحدث السلطان نفسه بما ثم خلع السلطان على الأمير إينال العلائي الناصري رأس نوبة ثاني باستقراره في نيابة غزة عوضًا عن تمراز القرمشي بحكم قدوم تمراز للديار المصرية‏.‏

وأنعم السلطان بإقطاع إينال المذكور على الأمير تمرباي التمر بغاوي الدوادار الثاني‏.‏

ثم كتب بإحضار الأمير بيبغا المظفري من القدس وكان نقل إلى القدس من دمياط من نحو شهر واحد فقدم من القدس إلى القاهرة في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة وطلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه باستقراره أمير مجلس عوضًا عن جرباش الكريمي قاشق‏.‏

ومنزلة أمير مجلس في الجلوس عند السلطان يكون ثاني الميمنة تحت الأمير الكبير فلما ولي بيبغا هذا إمرة مجلس أجلسه السلطان على الميسرة فوق الأمير إينال الجكمي أمير سلاح لما سبق له من ولايته أتابكية العساكر بالديار المصرية قبل تاريخه فصار في الحقيقة رتبته أعظم من رتبة الأمير الكبير جارقطلو بجلوسه فوق أمير سلاح لأن الأمير الكبير لا يمكنه الجلوس فوق أمير سلاح إلا لضرورة‏.‏

وصار بيبغا هذا دائمًا جلوسه فوقه غير أن إقطاع الأمير الكبير أكثر متحصلًا من إقطاعه وأيضًا لالتفات السلطان إليه فإنه كان أكثر كلامه في الموكب السلطاني معه في كل تعلقات المملكة وليس ذلك لمحبته فيه غير أنه كان يداريه بذلك اتقاء فحشه‏.‏

وكان سبب القبض عليه أولًا أن السلطان شكا له بعض الأجناد من ظلم كاشف التراب فقال الملك الأشرف‏:‏ الكاشف ماله منفعة فبادره بيبغا هذا في الملأ وقال له‏:‏ أنت ما عملت كاشف ما تعرف فعظم ذلك على الأشرف وأسرها في نفسه ثم قبض عليه وكذا كان وقع لبيبغا المذكور مع الملك المؤيد حتى قبض عليه أيضًا وحبسه‏.‏

وكان هذا شأنه المغالظة مع الملوك في الكلام غير أنه كان مناصحًا للملوك ظاهرًا وباطنًا ولهذا كانت الملوك لاتبرح تغضب عليه ثم ترضى لعلمهم بسلامة باطنه‏.‏

وكان الملك الأشرف يمازحه في بعض الأحيان ويسلط عليه بعض الجراكسة بأن يزدري جنس التتار ويعظم الجراكسة فإذا سمع بيبغا ذلك سب القائل وهجر عليه وأخذ في تفضيل الأتراك على طائفة الجراكسة في الشجاعة والكرم والعظمة فيشير عليه بعض أمراء الأتراك بالكف عن ذلك فلا يلتفت ويمعن والملك الأشرف يضحك من ذلك ويساعده على غرضه حتى يسكت‏.‏

وقيل إنه جلس مرة في مجلس أنس مع جماعة من الأمراء فأخذ بيبغا في تعظيم ملك التتار جنكزخان وزاد وأمعن واخترق اختراقات عجيبة فقال له الأمير طقز الظاهري الجركسي‏:‏ وأيش هو جنكزخان فلما سمع بيبغا ذلك أخذ الطبر وأراد قتل طقز حقيقة وقال له‏:‏ كفرت فأعاقه الأمراء عنه حتى قام طقز من المجلس وراح إلى حال سبيله‏.‏

وقيل إنه لم يجتمع به بعد ذلك‏.‏

ومع هذا كله كان لجنونه طلاوة ولانحرافه حلاوة على أنه كان من عظماء الملوك وأحسنها طريقة‏.‏

ثم في يوم الخميس سادس ذي الحجة من سنة إحدى وثلاثين المذكورة أمسك السلطان الأمير أزبك المحمدي الدوادار الكبير وأخرجه من ليلته بطالًا إلى القدس بعد أن قبض السلطان على عدة من خاصكيته‏.‏

ولذلك أسباب أعظمها أمر جاني بك الصوفي وأشياء أخر منها‏:‏ أن في أواخر ذي القعدة بلغ السلطان أن جماعة من مماليكه وخاصكيته يريدون الفتك به وقتله ليلًا فقبض على جماعة منهم السيفي سنطباي الأشرفي وغيره في أيام متفرقة ونفى جماعة منهم إلى الشام وقوص بعد أن عاقب جماعة منهم فكثرت القالة في ذلك‏.‏

قيل إنه سأل بعضهم بأن قال‏:‏ لو قتلتموني من الذي تنصبونه بعدي في السلطنة فقالوا‏:‏ الأمير أزبك وقيل غير ذلك‏.‏

وأخذ السلطان في الاستعداد والحذر وسقط عليه أيضًا مرارًا سهام نشاب من أطباق المماليك السلطانية فهذا كان السبب لقبض أزبك وغيره‏.‏

وأنا أقول‏:‏ إن جميع ماوقع من مسك الأمراء وضرب جماعة من الخاصكية بالمقارع ونفي بعضهم إنما هو لسبب جاني بك الصوفي لاغير‏.‏

ثم في يوم السبت ثامنه خلع السلطان على الأمير أركماس الظاهري رأس نوبة النوب باستقراره دوادارًا كبيرًا عوضًا عن أزبك المذكور‏.‏

وخلع على الأمير تمراز القرمشي المعزول عن نيابة غزة باستقراره رأس نوبة وأنعم عليه بإقطاع أركماس المذكور‏.‏

وأنعم بإقطاع تمراز الذي كان السلطان أنعم عليه به بعد مجيئه من غرة وهو تقدمة ألف أيضًا على الأمير يشبك السودوني شاد الشراب خاناه‏.‏

وأنعم بطبلخاناه يشبك السودوني على الأمير قرانجا الأشرفي الخازندار‏.‏

وخلع السلطان في هذه الأيام على صفي الدين جوهر السيفي قنقباي اللالا باستقراره خازندارًا عوضًا عن الأمير خشقدم الظاهري الرومي بحكم انتقاله زمامًا عوضًا عن الأمير كافور الشبلي الصرغتمشي الرومي بعد وفاته في السنة الماضية‏.‏

وكانت وظيفة الخازندارية شاغرة في يوم تاريخه والسلطان ينظر فيمن يوليه من الخدام من قدماء خدام الملوك فرشح مرجان خادم الوالد فخافه الخدام من شدة بأسه وحولوا الأشرف عنه‏.‏

وكان الطواشي جوهر الجلباني الحبشي لالا ابن السلطان له حنو وصحبة قديمة بجوهر هذا فكلم السلطان بسببه ونعته بالدين والعفة والعقل والتدبير ولا زال بالسلطان حتى طلبه وولاه الخازندارية دفعة واحدة فإنه كان من أصاغر الخدام لم تسبق له رئاسة قبل ذلك وإنما كان يعرف بين الخدام بأخي اللالا فنال جوهر هذا من الحرمة والوجاهة والاختصاص بالملك الأشرف ما لم ينله خادم قبله‏.‏

انتهى‏.‏

ثم في سابع عشرين ذي الحجة من سنة إحدى وثلاثين المذكورة قدم مبشر الحاج العراقي وأخبر بسلامة الحاج وأنه قدم محمل العراق في أربعمائة جمل جهزه السلطان حسين بن علي ابن السلطان أحمد بن أويس من الحلة‏.‏

وكان السلطان حسين هذا قد استولى على ششتر والحلة وصاهر العرب فقوي بأسه بهم وقاتل شاه محمد بن قرا يوسف صاحب بغداد وتم أسره بهذه البلاد المذكورة وجهز الحاج وكان له سنين قد انقطع لاستيلاء هذا الزنديق شاه محمد بن قرا يوسف على العراق فإنه كان محلول العقيمة لا يتدين بدين وقتل العلماء وأباد الناس وهو أحد أسباب خراب بغداد والعراق هو وأخوته كما سيأتي ذكره وذكر أقاربه في وفيات هذا الكتاب عند وفاتهم وذهاب روحهم الخبيثة اللعينة إلى جهنم وبئس المصير‏.‏

ثم في يوم الاثنين خامس عشر المحرم سنة اثنتين وثلانين وثمانمائة حدث مع غروب الشمس برق ورعد شديد متوال ثم مطر غزير خارج عن الحد وكان الوقت في أثناء فصل الخريف‏.‏

قتلة الخواجا نور الدين علي التبريزي العجمي المتوجه برسالة الحطي ملك الحبشة إلى ملوك الفرنج ولما كان يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الأولى من سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة استدعى السلطان قضاة الشرع الشريف إلى بين يديه فاجتمعوا‏.‏

وندب السلطان قاضي القضاة شمس الدين محمدًا البساطي المالكي للكشف عن أمره وإمضاء حكم الله فيه وكان التبريزي مسجونًا فى سجن السلطان فنقله القاضي من سجن السلطان إلى سجنه وادعى عليه بالكفر وبأمور شنيعة وقامت عليه بينة معتبرة بذلك فحكم بإراقة دمه‏.‏

فشهر في يوم الأربعاء خامس عشرين جمادى الأولى المذكورة على جمل بالقاهرة ومصر وبولاق ونودي عليه‏:‏ هذا جزاء من يجلب السلاح إلى بلاد العدو ويلعب بالدينين وصار وهو راكب الجمل يتشاهد ويقرأ القرآن ويشهد الناس أنه باق على دين الإسلام والخلق صحبته أفواجًا ومن الناس من يبكي لبكائه وهم العامة الجهلة‏.‏

والذي أقوله في حقه‏:‏ إنه كان زنديقًا ضالًا مستخفًا بدين الإسلام‏.‏

ولا زالوا به إلى أن وصلوا إلى بين القصرين فأنزل عن الجمل وأقعد تحت شباك المدرسة الصالحية وضربت عنقه في الملأ من الخلائق التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى‏.‏

فنسأل الله السلامة في الدين والموت على الإسلام‏.‏

وكان خبر هذا التبريزي أنه كان أولًا من جملة تجار الأعاجم بمصر وغيرها وكان يجول في البلاد بسبب المتجر على عادة التجار فاتفق أنه توجه إلى بلاد الحبشة فحصل له بها الربح الهائل المتضاعف‏.‏

وكان في نفسه قليل الدين مع جهل وإسراف فطلب الزيادة في المال فلم يرم بوصله إلى مراده إلا أن يتقرب إلى الحطي ملك الحبشة بالتحف‏.‏

فصار يأتيه بأشياء نادرة لطيفة من ذلك أنه صار يصنع له الصلبان من الذهب المرضع بالفصوص الثمينة ويحملها إليه غاية الاحترام والتعظيم كما هي عادة النصارى في تعظيمهم للصليب وأشياء هذه المقولة‏.‏

ثم ما كفاه ذلك حتى إنه صار يبتاع السلاح المثمن من الخوذ والسيوف الهائلة والزرديات والبكاتر بأغلى الأثمان ويتوجه بها إلى بلاد الحبشة وصار يهون عليهم أمر المسلمين ويعرفهم ما المسلمون فيه بكل ما تصل القدرة إليه فتقرب بذلك من الحطي حتى صار عنده بمنزلة عظيمة‏.‏

فعند ذلك ندبه الحطي بكتابه إلى ملوك الفرنج عندما بلغه أخذ قبرس وأسر ملكها جينوس يحثهم فيه على القيام معه لإزالة دين الإسلام وغزو المسلمين وإقامة الملة العيسوية ونصرتها وأنه يسير في بلاد الحبشة‏.‏

في البر بعساكره وأن الفرنج تسير في البحر بعساكرها في وقت معين إلى سواحل الإسلام وحمله مع ذلك مشافهات‏.‏

فخرج التبريزي هذا من بلاد الحطي بكتابه وبما حمله من المشافهات لموك الفرنج بعزم واجتهاد وسلك في مسيره من بلاد الحبشة البرية حتى صار من وراء الواحات ثم سلك من وراء الواحات إلى بلاد المغرب وركب منها البحر إلى بلاد الفرنج وأوصل إليهم كتاب الحطي وما معه من المشافهات ودعاهم للقيام مع الحطي في إزالة الإسلام وأهله واستحثهم في ذلك فأجابه غالبهم وأنعموا عليه بأشياء كثيرة فاستعمل بتلك البلاد عدة ثياب مخمل مذهبة باسم الحطي ورقمها بالصلبان فإنه شعارهم‏.‏

قلت‏:‏ لولا أنه داخلهم في كفرهم وشاركهم في مأكلهم ومشربهم طابت نفوسهم لإظهار أسرارهم عليه وكانوا يقولون‏:‏ هذا رجل مسلم يمكن أنه يتجسس أخبارنا وينقلها للمسلمين ليكونوا منا على حذر وربما أمسكوه بل وقتلوه بالكلية‏.‏

انتهى‏.‏

ثم خرج من بلاد الفرنج وسار في البحر حتى قدم الإسكندرية ومعه الثياب المذكورة ورهبان من رهبان الحبشة‏.‏

وكان له عدة عبيد فيهم رجل دين فنم عليه بما فعله ودلهم على ما معه من القماش وغيره فأحيط بمركبه وبجميع ما فيها فوجدوا بها ما قاله العبد المذكور فحمل هو والرهبان وجميع ما معه من القاهرة‏.‏

فسعى بمال كبير في إبقاء مهجته وساعده في ذلك ممن يتهم في دينه فلم يقبل السلطان ذلك وأمر به فحبس ثم قتل حسبما ذكرناه عليه من الله ما يستحقه انتهى‏.‏

ثم في يوم الخميس تاسع شهر رجب خلع السلطان على جلال الدين محمد ابن القاضي بدر الدين محمد بن مزهر باستقراره في وظيفة كتابة السر بالديار المصرية عوضًا عن والده بحكم وفاته وله من العمر دون العشرين سنة ولم يطر شاربه‏.‏

وخلع السلطان على القاضي شرف الدين أبي بكر بن سليمان سبط ابن العجمي المعروف بالأشقر أحد أعيان موقعي الدست باستقراره نائب كاتب السر ليقوم بأعباء الديوان عن هذا الشاب لعدم معرفته وقلة دربته بهذه الوظيفة‏.‏

وكانت ولاية جلال الدين المذكور لكتابة السر على حمل تسعين ألف دينار من تركة أبيه‏.‏

ثم في يوم الخميس ثالث عشرين شهر رجب المذكور قدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام إلى القاهرة وصحبته القاضي كمال الدين محمد بن البارزي كاتب سر دمشق وطلعا إلى القلعة فخلع السلطان عليهما خلع الاستمرار‏.‏

واجتمع السلطان به غير مرة أعني بسودون من عبد الرحمن فكلمه سودون فيما يفعله مماليكه الجلبان بالمباشرين وغيرهم وخوفه عاقبة المماليك القرانيص من ذلك فقال له الملك الأشرف‏:‏ قد عجزت عن إصلاحهم ثم كشف رأسه ودعا عليهم بالفناء والموت غير مرة فقال له الأتابك جارقطلو‏:‏ ‏"‏ ضع فيهم السيف وأقم عوضهم وما دام رأسك تعيش فالمماليك كثير ومائة من القرانيص خير من ألف من هؤلاء الأجلاب ولولا حرمة السلطان لكان صغار عبيد القاهرة كفؤًا لهم‏.‏

وكان سبب ذلك أنهم صاروا يضربون مباشري الدولة وينهبون بيوتهم ووقع منهم في دوران المحمل في هذه السنة أمور شنيعة إلى الغاية وتقاتلوا مع العبيد حتى قتل بينهما جماعة وأشياء غير ذلك‏.‏

فمال السلطان إلى كلام تجار قطلو وأراد مسك جماعة كبيرة منهم ونفي آخرين وتفرقة جماعة أخر على الأمراء وقال‏:‏ أحسب أن مائة ألف دينار ما كانت ومتى حصل نفع المماليك المشتروات لأستاذهم أو لذريته‏.‏

فلما رأى الأمير بيبغا المظفري ميل السلطان لكلام جارقطلو أخذ في معارضته ورد كلامه فكان من جملة ما قاله‏:‏ والله لولا المماليك المشتروات ما أطاعك واحد منا وأشار بخروج جاني بك الصوفي من السجن واختفائه بالقاهرة وخل عنك كلام هذا وأمثاله وكان عبد الباسط مساعدًا لجارقطلو ثم التفت بيبغا وقال لعبد الباسط‏:‏ أنت تكون سببًا لزوال ملك هذا فعند ذلك أمسك الأشرف عما كان عزم عليه لعلمه بنصيحة بيبغا المظفري له‏.‏

وانفض المجلس بعد أن أمرهم السلطان بكتمان ما وقع عند السلطان من الكلام‏.‏

فلم يخف ذلك عن أحد وبلغ المماليك الأشرفية فتحلفوا لجارقطلو ولعبد الباسط ولسودون من عبد الرحمن‏.‏

فلما كان يوم الجمعة ثاني شعبان نزل المماليك الأشرفية من الأطباق إلى بيت الوزير كريم الدين بن كاتب المناخ ونهبوه لتأخر رواتبهم‏.‏

وسافر فيه الآمير سودون من عبد الرحمن إلى محل كفالته وكان السلطان أراد عزله وإبقاعه بمصر فوعد بخمسين ألف دينار حتى خلع عليه باستمراره فكلمه بعض أصحابه في ذلك فقال‏:‏ أحمل مائة ألف دينار ولا أقعد بمصر في تهديد الأجلاب‏.‏

ثم لما كان يوم الثلاثاء سادس شعبان ثارت الفتنة بين المماليك الجلبان وبين الأمير الكبير جارقطلو‏.‏

وكان

 ابتداء الفتنة

أنه وقع بين بعض المماليك السلطانية وبين مماليك الأمير الكبير جارقطلو وضربت الجلبان بعض مماليك جارقطلو فأخذ المملوك يدافع عن نفسه ورد على بعضهم وكان شج بعض المماليك السلطانية‏.‏

فعند ذلك قامت قيامتهم وحرك ذلك ما كان عندهم من الكمين من أستاذهم جارقطلو فتجمعوا على المملوك المذكور وضربوه فهرب إلى بيت أستاذه واحتمى به‏.‏

فعادت المماليك إلى إخوتهم واتفقوا على جارقطلوا وترددوا إلى بابه غير مرة‏.‏

وباتت الناس على تخوف من وقوع الفتنة لوقوع هذه القضية‏.‏

وأصبحوا من الغد في جمع كثير من تحت القلعة وقد اتفقوا على قتل جارقطلو ومماليكه فماج الناس لذلك وأغلقوا الأسواق خشية من وقوع النهب وتزاحم الناس على شراء الخبز وأغلقت الدروب وانتشرت الزعر وأهل الفساد وتعوق مباشرو الدولة من النزول من القلعة إلى دورهم‏.‏

وأرسل السلطان إليهم جماعة بالكف عن ماهم فيه وهددهم إن لم يرجعوا فلم يلتفتوا إلى كلامه‏.‏

وساروا بأجمعهم إلى بيت الأمير الكبير جارقطلو وكان سكنه ببيت الأمير طاز بالشارع الأعظم عند حمام الفارقاني فأغلق جارقطلو بابه وأصعد مماليكه على طبلخاناته فوق باب داره ليمنعوا المماليك السلطانية من كسر الباب المذكور وإحراقه‏.‏

وتراموا بالنشاب وأقام الأجلاب يومهم كله مع كثرتهم لا يقدرون على الأمير الكبير جارقطلو ولا على مماليكه مع كثرة عددهم لعدم معرفتهم بالحروب ولقلة دربتهم وسلاحهم‏.‏

هذا والسلطان يرسل إليهم بالكف عما هم فيه وهم مصممون على ما هم فيه يومهم كله‏.‏

ووقع منهم أمور قبيحة في حق أستاذهم وغيره‏.‏

فلما وقع ذلك غضب السلطان غضبًا عظيمًا‏.‏

وأراد أن يوسع الأمراء في حق مماليكه فخوفه الأمراء سوء عاقبة ذلك فأخذ يكثر من الدعاء عليهم سرًا وجهرًا وباتوا على ذلك‏.‏

فلما أصبحوا يوم الخميس ثامن شعبان استشار الملك الأشرف الأمراء في أمر مماليكه فأشاروا عليه بأن يرسل يطلب من الأمير الكبير جارقطلو المماليك الذين كانوا سببًا لقيام هذه الفتنة‏.‏

وكانت المماليك الجلبان لما رأوا في الأمس حالهم في إدبار أرسلوا يطلبون غرماءهم من مماليك جارقطلو من السلطان فلم يجبهم السلطان إلى ذلك‏.‏

فأرسل السلطان بعد ذلك للأمير الكبير يطلب مماليكه الذين كانوا في أول هذه الفتنة فأرسل إليه بجماعة منهم فأخذهم السلطان وضربهم ضربًا ليس بذاك ثم أمر بحبسهم‏.‏

ووافق ذلك عجز المماليك الجلبان عن قتال الأمير الكبير لعدم اجتماع كلمتهم ولفرار أكثرهم وطلوعهم إلى الطبقة فأذعنوا بالصلح وخمدت الفتنة ولله الحمد بعد أن كاد أمر هذه الوقعة أن يتسع إلى الغاية لأن غالب الأمراء شق عليهم ما وقع للأمير الكبير وقالوا‏:‏ إذا كان هذا يقع للأمير الكبير فنحن من باب أولى وأحق لأعظم من هذا‏.‏

وتنبه من كان عنده كمين من الملك الأشرف من المماليك المؤيدية شيخ وغيرهم وظهر للسطان لوايح من ذلك فاحتار بين مماليكه وأمرائه إلى أن وقع الصلح‏.‏

ومن يومئذ تغير خاطر جارقطلو من الملك الأشرف في الباطن مع خصوصيته بالأشرف حتى أبدى بعض ما كان عنده في سفرة آمد حسبما يأتي ذكره‏.‏

ثم ورد الخبر على السلطان بأن في خامس شعبان هذا ورد إلى ميناء الإسكندرية خمسة أغربة فيها مقاتلة الفرنج مشحونة بالسلاح وباتوا بها وقد استعد لهم المسلمون‏.‏

فلما أصبح النهار واقعوهم وقد أدركهم الزيني عبد القادر بن أبي الفرج الأستادار وكان مسافرًا بتروجة ومعه غالب عرب البحيرة نجدة للمسلمين‏.‏

فلما كثر جمع المسلمين انهزم الفرنج وردوا من حيث أتوا في يوم الأحد حادي عشرة ولم يقتل من المسلمين سوى فارس واحد من جماعة ابن أبي الفرج‏.‏

قلت قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال ‏"‏‏.‏

كل ذلك والسلطان مشغول بتجهيز تجريدة إلى بلاد الشرق‏.‏

فلما كان ثاني عشر شعبان المذكور أنفق السلطان في ثلاثمائة وتسعين مملوكًا من المماليك السلطانية لكل مملوك خمسين دينارًا وفي أربعة من أمراء الألوف وهم‏:‏ أركماس الظاهري الدوادار الكبير وقرقماس حاجب الحجاب وحسين بن أحمد المدعو تغري برمش البهسني ويشبك السودوني المعروف بالمشد لكل واحد الفي دينار‏.‏

وأنفق أيضًا في عدة من أمراء الطبلخانات والعشرات فبلغت نفقة الجميع نحو ثلاثين ألف دينار ورسم بسفرهم إلى الشام فسافروا في سابع عشرين شعبان المذكور‏.‏

ثم في يوم الجمعة رابع عشر شهر رمضان حملت جامكية المماليك السلطانية إلى القلعة لتنفق فيهم على العادة فامتنعوا من قبضها وطلبوا زيادة لكل واحد ستمائة درهم وصمموا على ذلك‏.‏

وترددت الرسل بينهم وبين السلطان إلى أن زيد في جوامك عدة منهم وسكن شرهم وأخذوا الجامكية في يوم الاثنين ثامن عشره‏.‏

ثم بعد ذلك وقع بين المماليك الجلبان وبين العبيد فتجمع السودان وقاتلوهم فقتل بينهم عدة وصاروا جمعين لكل جمع عصبية‏.‏

ثم في يوم الأربعاء تاسع ذي القعدة ورد الخبر على السلطان بأخذ الأمراء المتوجهين إلى جهة بلاد الشرق مدينة الرها من نواب قرايلك‏.‏

وكان من خبر ذلك أن العساكر المصرية لما سارت من القاهرة إلى جهة الشام لأخذ خرتبرت وقد مات متوليها ونازلها عسكر قرايلك صاحب آمد فلما وصلوا إلى مدينة حلب ورد عليهم الخبر بأخذ قرايلك قلعة خرتبرت وتحصينها وتسليمها لولده فأقاموا بحلب إلى أن ورد عليهم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بعساكر دمشق ثم جميع نواب البلاد الشامية بعساكرها وتشاوروا في السير لها فأجمع رأيهم على المسير‏.‏

فمضوا بأجمعهم‏:‏ العسكر المصري والعسكر الشامي إلى جهة الرها فأتاهم بالبيرة كتاب أهل الرها بطلب الأمان وقد رغبوا في الطاعة فأمنوهم وكتبوا لهم كتابًا‏.‏

وساروا من البيرة وبين أيديهم مائتا فارس من عرب الطاعة كشافة فوصلت الكشافة المذكورون إلى الرها في شوال فوجدوا الأمير هابيل بن الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك صاحب آمد قد وصل إليها ودخلها وحصنها وجمع فيها خلائق من أهل الضياع بمواشيهم وعيالهم وأموالهم فنزلوا عليها فرموهم بالنشاب من فوق أسوار المدينة‏.‏

فلما رأى هابيل قلة العرب برز إليهم في نحو ثلاثمائة رجل من عسكره وقاتلهم فثبتوا له وقاتلوه فقتل بين الفريقين جماعة والأكثر من العرب فأخذ هابيل رؤوسهم وعلقها على أسوار المدينة‏.‏

وبينما هم في ذلك أدركهم العسكر المصري والشامي ونزلوا على ظاهر الرها يوم الجمعة العشرين من شوال فوجدوا هابيل قد حصن المدينة وجعل جماعة من عساكره على أسوارها فلما قرب العسكر من سور مدينة الرها رماهم الرجال من أعلى السور بالنشاب والحجارة فتراجع العسكر عنهم ونزلوا بخيامهم إلى بعد الظهر‏.‏

فركبوا الجميع وأرسلوا إلى أهل الرها بالأمان وأنهم إن لم يكفوا عن القتال أخربوا المدينة فلم يلتفتوا إلى كلامهم ورموهم بالنشاب‏.‏

فاتفق العسكر حينئذ على الزحف وركبوا بأجمعهم وزحفوا على المدينة وجدوا في قتالها‏.‏

فلم يكن غير ساعة إلا وأخذوا المدينة وأستولوا عليها‏.‏

وتعلق أعيان البلد ومقاتلتها بالقلعة فانتشر العسكر وأتباعهم بالمدينة ينهبون ويأخذون ما وجدوا ويأسرون من ظفروا به وأمعنوا في ذلك حتى خرجوا عن الحد‏.‏

وأصبحوا يوم السبت جدوا في حصار القلعة وأرسلوا إلى من بها بالأمان فلم يقبلوا واستمروا بالرمي بالنشاب والحجارة وغير ذلك‏.‏

ونصبوا على القلعة المكاحل والمدافع وأخذوا في النقوب وباتوا ليلة الأحد على ذلك‏.‏

وأصبحوا يوم الأحد على ما هم عليه من القتال والحصار إلى وقت الضحى فضعف أمر من بالقلعة بعد قتال شديد وطلبوا الأمان فكفوا عند ذلك عن قتالهم‏.‏

ونزلت رسلهم إلى الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام وهو مقدم العساكر وكلموهم في نزولهم وتسليمهم القلعة وحلفوه هو والأمير قصروه نائب حلب على أنهم لا يؤذونهم ولا يقتلون أحدًا منهم فركنوا إلى أيمانهم‏.‏

ونزل الأمير هابيل بن قرايلك ومعه تسعة من أعيان أمراء أبيه في وقت الظهر من يوم الأحد ثاني عشرين شوال المذكور فتسلمه الأمير أركماس الظاهري الدوادار الكبير‏.‏

وركب الأمير سودون من عبد الرحمن ومعه بقية النواب إلى القلعة ليتسلموها فوجدوا المماليك السلطانية قد وقفوا على باب القلعة ليدخلوا إليها فكلمهم النواب في عدم دخولهم وقالوا لهم‏:‏ نحن أعطيناهم أمانًا ومنعوهم من الدخول إليها فأفحشوا في الرد على النواب فراجعوهم في ذلك فهم المماليك بقتالهم وهاجموا القلعة بغير رضا النواب والأمراء ودخلوها‏.‏

فشق ذلك على النواب وعادوا إلى مخيمهم‏.‏

فمد المماليك أيديهم هم والتركمان والأعراب والغلمان في النهب والسبي حتى نهبوا جميع ما كان بالقلعة وأسروا النساء والصبيان وأفحشوا بها إلى الغاية‏.‏

ثم ألقوا النار فيها فأحرقوها بعدما أخلوها من جميع ما كان فيها وقتلوا من كان بها وبالمدينة ثم أخربوا المدينة وألقوا النار فيها فاحترقت واحترق في الحريق جماعة من النسوة فإنهن اختفين في الأماكن من البلد خوفًا من العسكر فلما احترقت المدينة احترقن الجميع في النار التي أضرمت بسكك المدينة وخباياها واحترق أيضًا معهن عدة كبيرة من أولادهن‏.‏

هذا بعد أن أسرفوا في القتل بحيث إنه كان الطريق قد ضاق من كثرة القتلى‏.‏

وفي الجملة فقد فعلوا بمدينة الرها فعل التمرلنكيين وزيادة من القتل والأسر والإحراق والفجور بالنساء فما شاء الله كان‏.‏

ثم رحلوا من الغد في يوم الاثنين ثالث عشرينه وأيديهم قد امتلأت من النهب والسبي فقطعت منهم عدة نساء من التعب فمتن عطشًا وبيعت منهن بحلب وغيرها عدة كبيرة‏.‏

قال المقريزي‏:‏ وكانت هذه الكائنة من مصيبات الدهر‏:‏ الوافر وكنا نستطب إذا مرضنا فجاء الداء من قبل الطبيب أفأما بالعهد من قدم لقد عهدنا ملك مصر إذا بلغه عن أحد من ملوك الأقطار قد فعل ما لا يجوز أو فعل ذلك رعيته بعث ينكر عليه ويهدمه فصرنا نحن نأتي من الحرام بأشنعه ومن القبيح بأفظعه وإلى الله المشتكى انتهى كلام المقريزي‏.‏

قلت‏:‏ لم يكن ما وقع من هؤلاء الغوغاء بإرادة الملك الأشرف ولا عن أمره ولا عن حضوره‏.‏

وقد تقدم أن نواب البلاد الشامية وأكابر الأمراء منعوهم من دخول القلعة بالجملة فلم يقدروا على ذلك لكثرة من كان اجتمع بالعسكر من التركمان والعرب النهابة كما هي عادة العساكر‏.‏

وإن كان كون الأشرف جهز العسكر إلى جهة الرها فهذا أمر وقع فيه كل أحد من ملوك الأقطار قديمًا وحديثًا ولا زالت الملوك على ذلك من مبدأ الزمان إلى آخره معروف ذلك عند كل أحد‏.‏

انتهى‏.‏